أحمد بن علي القلقشندي

292

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

* ( الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ الله ) * ( 1 ) . وكتب عنوانه : « إلى محمد بن عبد اللَّه خاتم المرسلين ، ورسول رب العالمين ، صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من تبّع الأوّل حمير ، أمانة اللَّه في يد من وقع إليه أن يدفعه إلى صاحبه » . ودفع الكتاب إلى رئيس العلماء المذكورين ، وتداوله بنوه بعده إلى أن هاجر النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إلى المدينة فتلقاه به بعض أولاد ذلك العالم بين مكَّة والمدينة ، وتاريخ الكتاب يومئذ ألف سنة بغير زيادة ولا نقص . وقيل في بنائها غير ذلك ، وهي مدينة متوسطة في مستو من الأرض ، والغالب على أرضها السباخ ، وفي شماليّها جبل أحد ، وفي جنوبها جبل عير ؛ وكان عليها سور قديم وبخارجها خندق محفور ؛ وهو الذي حفره النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم يوم الأحزاب . وفي سنة ست وثلاثين ومائتين بنى عليها إسحاق بن محمد الجعديّ سورا منيعا ، وجدّده عضد الدولة بن بويه الديلميّ في سنة اثنتين وسبعين وثلاثمائة ، وهو باق عليها إلى الآن ؛ ولها أربعة أبواب : باب في الشرق يخرج منه إلى البقيع ؛ وباب في الغرب يخرج منه إلى العقيق وقباء ، وبين يدي هذا الباب جداول ماء جارية ، وبوسطها مسجد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وهو مسجد متسع إلا أنه لم يبلغ في القدر مبلغ مسجد مكة . قال ابن قتيبة في « كتاب المعارف » : وكان على عهد رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم مبنيّا باللَّبن وسقفه الجريد وعمده النخل ، ولم يزد فيه أبو بكر شيئا ، وزاد فيه عمر ، ثم غيّره عثمان وزاد فيه عثمان زيادة كبيرة ، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة وبالقصّة ( 2 ) ، وجعل عمده من حجارة منقوشة ؛ ووسعه المهدي سنة ستين ومائة ؛ وزاد فيه المأمون زيادة كبيرة في سنة اثنتين ومائتين ؛ ولم تزل الملوك تتداوله بالعمارة إلى زماننا .

--> ( 1 ) الروم / 4 . ( 2 ) أي الحبصّ ( الوسيط : 740 ) .